مجموعة تليسكوبات بحجم الأرض تتهيأ لالتقاط أول صورة لثقب أسود

استعدوا لإمعان النظر في المجهول. ففي هذا الأسبوع الثاني من إبريل حظينا بأول فرصة لنا لالتقاط صورة للثقب الأسود الضخم الموجود في مركز مجرتنا. وسيكون بوسع هذه الصورة أن تعلِّمنا كيفية عمل الثقوب السوداء، بل وأيضاً كيفية توافق أكبر وأصغر القوى المسيطرة على الكون مع بعضها.
لقد بدأ تليسكوب إيفنت هورايزون (أفق الحدث) Event Horizon Telescope (اختصاراً: التليسكوبEHT) عمله الآن. إنه تليسكوب يتكون من ثمانية مراصد راديوية منتشرة حول العالم، بعضها في إسبانيا والولايات المتحدة والقارة القطبية المتجمدة الجنوبية (انظر الخريطة). وعلى امتداد 4 أو 5 ليالٍ فقط تمتد بين 5 و14 إبريل، ستعمل هذه المراصد كلها في آن معاً – إذا سمحت الظروف الجوية السائدة في مناطقها.
سيوجه العلماء جميع هذه التليسكوبات معاً إلى حيث يوجد ساجيتاريوس *A، وهو ذلك الثقب الأسود الضخم الذي يوجد في مركز مجرة درب التبانة، لتقيس كل موجة راديوية قادمة من اتجاهه. وربط المراصد المنتشرة عبر منطقة شاسعة كهذه معاً ودمج أرصادها بهدف فلترة الضوء الزائد سيؤدي إلى إنتاج تليسكوب افتراضي فعّال، عظيم القدرة، وله حجم الأرض تقريباً.
بعملها معاً، ستلتقط هذه التليسكوبات بيانات أدق وأكثر تفصيلاً مما حصلنا عليه في أرصاد الثقب الأسود ساجيتاريوس *A السابقة، الذي لا نعرف عنه حتى الآن إلاّ القليل جداً، وأيضاً عن الثقب الأسود الأكبر حجماً الذي يوجد في مركز المجرة M87 المجاورة.
وبجمعها على كمٍّ من المعلومات والبيانات بقدر 2 بيتابايت في كل ليلة -وهو قدر كاف لتخزين الجينوم الوراثي كاملاً لنحو بليوني إنسان- يأمل علماء الفلك بالتقاط الصورة الأولى لأفق الحدث المحيط بثقب أسود، والمادة الساطعة التي تدور بعنف حوله.
يقول العالم هاينو فالكي Heino Falcke -من جامعة رادبود Radboud University في هولندا- الذي يشارك في هذا التعاون الدولي: “لطالما كانت مناطق أفق الحدث جزءاً من أساطير العلم، لكنها الآن ستصبح حقيقة بطريقة ما. وإن رؤيتها تعني إثبات وجودها.”
قد لا ينتهي العمل على معالجة الصور وإعدادها وإخراجها للنشر والإعلام قبل حلول العام القادم، لكن حسابات المحاكاة تعني أن لدى الفريق فكرة معقولة عما يجب أن يشاهدوه.
تتسبب الجاذبية المفرطة بثني مسار أشعة الضوء حول ثقب أسود. وفي هذه الحالة يجب أن يعطي ذلك الطرف من الثقب الأسود الذي يدور نحو الأرض مشهد قوس أو هلالا ساطعا من الضوء يلتف حول حافته، بينما يخفت ضوء طرفه الذي يدور مبتعدا عنا.
وحالما يستطيع الباحثون دراسة “موزة” الضوء هذه أول مرة، فإنهم يأملون بأنهم سيستطيعون فك بعض الألغاز القديمة للغاية عن الثقوب السوداء. وأحد هذه الألغاز هو كيف تولّد بعض الثقوب السوداء الضخمة، مثل ذاك الذي يوجد في مركز المجرة M87، تلك النفاثات الهائلة من الجسيمات التي تقذف من مراكزها بسرعات تقرب من سرعة الضوء، ومن أين تأتي كل تلك الطاقة.
وبإضافة مزيد من التليسكوبات إلى الشبكة العاملة حالياً في فترة العقود القادمة، ستصبح أرصاد الثقوب السوداء أكثر دقة، ويجب أن تقدّم حينها رؤى أساسية عن آليات عمل كوننا.
ويتمثل أحد أعظم أسرار الفيزياء الحديثة بكيفية جمع نظرية آينشتاين في النسبية العامة، التي تتناول قوة الجاذبية وسلوك الأجسام الكبيرة جداً، مع نظرية ميكانيك الكم، التي تتناول مسائل العالم الصغير جداً.
يأمل فالكي بأن يساعدنا رصد قوة الجاذبية المفرطة عند حافة ثقب أسود على معرفة كيف يمكن أن تتوافق النظريتان الرئيستان اللتان تصفان كوننا مع بعضهما، ويقول: “سوف يحدث أمر جديد، وأعتقد أن هذا الجديد سيكون عند أفق الحدث.”
ويقول شتيفان غيلليسن Stefan Gillessen -من معهد ماكس بلانك للفيزياء Max Planck Institute for Physics في ميونيخ بألمانيا: “إذا تمكنتَ من إنتاج صورة بدقة لم تحظ بها قط من قبل، فقد ترى أشياء لم يسبق لك مطلقاً حتى مجرد التفكير فيها.” ويجب أن تثبت محاولة التشغيل الأولى للتليسكوبEHT أن أفق حدث الثقوب السوداء هو حقيقة قائمة فعلاً. وسيكون ممكناً للمحاولات المستقبلية أن تساعدنا في فهم المبادئ الأساسية التي يعمل كوننا وفقها.

نشرت المقالة في مجلة نيوساينتيست،
العدد 3120، 8 أبريل 2017.

سيلتقط تليسكوب إيفنت هورايزون (أفق الحدث) صوراً للثقب الأسود الموجود في مركز مجرتنا؛ وقد يبيّن أيضاً كيف يمكن لنظريتي النسبية وميكانيكا الكم أن تتوافقا معاً.