كيف ننتزع انتصارا ضد انبعاثات الكربون من تراجع الولايات المتحدة عن سياستها المناخية

وقَّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الأسبوع الأخير من شهر مارس أمراً تنفيذيا يرمي إلى إلغاء اللوائح المُنظِّمة للمناخ التي أصدرتها إدارة الرئيس أوباما. وسيُجّمِّد هذا فعلياً الخطط الكفيلة بالحدّ من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون كتلك المنطلقة من محطات الطاقة العاملة بالفحم. وفيما تلوح في الأفق سنوات المعارك القانونية، فهناك رسالة في غاية الوضوح مفادها أنّ الولايات المتحدة غير مبالية بالجهود الرامية إلى الحدّ من الاِحترار العالمي Global warming.
لقد تحقّق السيناريو المروِّع الذي فرضه تنصيب ترامب واقعاً بالنسبة إلى ما يقرب من 200 دولة موقِّعة على اتفاق باريس للمناخ Paris Climate Agreement. فقد كفَّت ثاني أكبر دولة باعثة لغازات الدفيئة في العالم حتى عن مجرّد السّعي إلى تحقيق غايتها بمقتضى الاتفاقية.
وينصبُّ الاهتمام الآن على نمط استجابة العالم. فإذا وقفت باقي الدول موقف المتفرِّج وسمحت للولايات المتحدة بالتجرّؤ على التنصُّل من التزاماتها، فإنّ الاتفاقية برمَّتها ستنهار رويداً رويداً ناهيك عن فقدان مصداقيتها. لكن ما الذي يمكن للدول الأخرى فعله عند افتقار الاتفاقية إلى إجراءات الإنفاذ؟
وهناك مقاربة بديلة يعتقد الكثيرون أنها قد تؤدّي إلى انخفاضات سريعة في الانبعاثات. ألا وهي وضع سعر عالمي على الكربون، وفرض رسوم كربون على البضائع الواردة من أيّ بلد يرفض الانضمام.
لقد استبعدت فكرة سعر للكربون العالمي هذه فيما مضى على اعتبارها غير مُجْدية سياسياً. كان ذلك قبل التراجع السّافر لترامب عن السياسة المناخية. وبرز احتمال جدير بالاهتمام يطرح السؤال الآتي: هل يمكن لتصرُّف الولايات المتحدة الشائن توحيد كلمة الدول لاتخاذ إجراءات فعالة بشأن المناخ؟
من ناحية ثانية، شكَّلَ السعر مطَّرد الاِرتفاع للكربون لفترة طويلة أكثر الطرق المقبولة لتسريع الانتقال إلى اقتصادات خالية من الكربون. لكن تطبيقها لم يكن سهلا.
وعلى الرغم من انتهاج بعض البلدان سياسة تسعير الكربون من جانب واحد، فقد قامت بذلك في نطاق محدود للغاية أو بسعر منخفض جدّاً، أو كليهما- مما حدّ كثيراً من فاعلية السياسة. فما سبب كلّ هذا الضعف؟ تتخوّف الدول من اضطرار الشركات إلى دفع غرامات باهظة لقاءَ انبعاثاتها الكربونية، فتنهار صناعاتها أو تنقل إنتاجها إلى مكان آخر لتفادي النفقات الزائدة.
أمّا الاتحاد الأوروبي، فإنّ لديه نظرياً ضريبة على الكربون تتمثّل بنظامه الخاص بالاتجار بالكربون. وينبغي على الشركات العاملة في الصناعات كثيفة استخدام الكربون مثل الكهرباء والفولاذ والإسمنت، شراء تصاريح انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون (شاهد المخطط البياني). مع ذلك، وبغية الحفاظ على تنافسية هذه الشركات مع نظيراتها خارج الاتحاد الأوروبي، فإن الاتحاد الأوروبي يمنح بسخاء تصاريح مجانية لصناعة الإسمنت. وقد أخفقت تصاريح الاتحاد الأوروبي الزهيدة الثمن في التقليل من الانبعاثات حتى عند تقديمها مجاناً.
وما السبيل للخروج من المأزق؟ تكمن الإجابة في رسوم الكربون المعروفة أيضا بضرائب ضبط الحدود Border adjustment taxes. وتتلخص الفكرة في أنّ البلدان التي تفرض تسعير الكربون على صناعاتها ستفرض أيضاً ضرائب الحدود على السلع المستوردة من البلدان التي لا تفرضها. ويتيح هذا الإجراء للدول زيادة أسعار الكربون زيادة هادفة دون الإضرار بصناعاتها المحلية.
والأفضل من ذلك تكاتف عدد كافٍ من الدول القوية لتحديد رسوم الكربون، وقد يكوِّن حافزاً مُلْزِماً للبلدان الأخرى للانضمام إليه أيضا. ويعزى ذلك إلى أنه عند إلزام المُصدِّرين بدفع ضريبة الكربون، يصبح من صالح الدول تحصيل المال بدلاً من دفعه إلى بلد آخر (انظر: طريقة تسعير الكربون).
يُعدّ سعر الكربون العالمي المقاربة التي يدعو إليها العديد من الباحثين والاقتصاديين البارزين ومنهم آكسِل أوكِنفِلس Axel Ockenfels من جامعة كولونيا University of Cologne بألمانيا. ويجادلون في أن هذا سيُحدِث انخفاضا أسرع بكثير في الانبعاثات مقارنة بمجرد تحديد الأهداف، أي المقاربة الحالية. على سبيل المثال، وبمقتضى اتفاق باريس، يحقق كل بلد هدفه الخاص في خفض الانبعاثات – دون فرض عقوبات عند التقاعس عن تحقيقه.
في العام الماضي، تلاشى احتمال استعمال رسوم الكربون لإجبار الدول على تبني تسعير الكربون بعد النجاح الواضح لقمّة باريس للمناخ. ويقول غلِنْ بيترز Glen Peters -من المركز الدولي لأبحاث المناخ Center for International Climate Research في النرويج- إنه أصبح متعذِّراً على الدول، بعد توقيع الاتفاق، الالتفاف والتهديد بفرض رسوم الكربون على الآخرين. ‘فالنظرة العامة هي أن مثل هذا السلوك سيولّد نوايا سيئة إلى حدٍّ كبير، في حين أنّ قمّة باريس أسست للنوايا الحسنة.’’
لقد تغيّر الموقف الآن. فقد أظهر ترامب مؤخراً مدى عُقْم مقاربة باريس. وتتجسد المشكلة الأساسية، كما يبيّن أمره التنفيذي، في أنّ اتفاق باريس لا يردع السلوك الأنانيّ: حيث تترك الدول أمر معالجة التغيّر المناخي للآخرين مادامت مساعيهم تعود بالنفع عليها.
ويقول أوكِنفِلس Ockenfels: ‘‘تؤكّد حالة ترامب أنّ التغيُّر المناخي يتلخص في مشكلة الركوب المجاني free-riding الدولي، وأنّ تسعير الكربون يمكن أن يعدّ طريقة فعّالة لتفادي ذلك الركوب المجاني.’’
وبناء على ذلك يُعاد حاليا طرح رسوم الكربون على بساط البحث مجددا. وقد دعا الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي Nicolas Sarkozy ، بعد انتخاب ترامب، إلى فرض رسوم الكربون على البضائع الأمريكية. ويُعتَقد أنّ المكسيك، التي توتّرتْ علاقاتها بالولايات المتحدة جرّاء تصرفات الإدارة الجديدة، تتدارس فكرة فرض الرسوم.
وفي شهر فبراير، انضمت شركات تصنيع الصُّلب الأوروبية إلى الدعوات المطالبة بفرض الرسوم بدعوى أنها لا تستطيع مجاراة الشركات المنافِسة في البلدان الأخرى بسبب نظام الاتجار بالكربون في الاتحاد الأوروبي.
يقول أولدباغ كاسبر Oldag Caspar من مجموعة جيرمانووتش Germanwatch للتجارة والبيئة، ومقرها مدينة بون Bonn، إنه وقبل تراجع الولايات المتحدة عن سياستها المناخية هذا الأسبوع، دار الكثير من الجدل وراء الكواليس حول طريقة التعامل مع الموقف الأمريكي. ‘‘وقد بدأت المحادثات بين الاتحاد الأوروبي والصين بهذا الخصوص منذ ذلك الحين.’’
كما يضيف كاسْبَر أنّ هذا قد يؤدّي إلى اتفاقات جديدة بين الصين والاتحاد الأوروبي ومن ضمنها اتفاق حول رسوم الكربون.
ربما يكون موقف الصين حاسماً، لأنها كانت في الماضي الهدف المحتمل للرسوم وقد عارضتها معارضة شديدة. وبذلت الصين جهوداً كبيرة للحدّ من التلوّث ولديها خططا لتأسيس نظام الاتجار بالكربون شبيه بنظام الاتحاد الأوروبي. وقد تبدأ الصين للمرة الأولى في تلمّس بعض محاسن الرسوم وكذلك مساوئها.
وبناء على ذلك يثار تساؤل عن إمكانية تحالف الاتحاد الأوروبي والصين لفرض الرسوم على الولايات المتحدة. وهذا هو السيناريو المفاجئ الذي يعمل على تحليله كريستوفر بورينغر Christoph Bohringer -من جامعة أولدنبرغ University of Oldenburg في ألمانيا- باستخدام النمذجة الاقتصادية. وتشير دراسته التي لم تُنشر إلى ضرورة انضمام بلدانٍ إضافية إليه لإجبار الولايات المتحدة على تغيير نهجها.
يخلص بورينغر إلى أنه إذا فرض الاتحاد الأوروبي والصين الرسوم بمفردهما، فإنّ التكاليف قصيرة الأجل على الولايات المتحدة ستكون قليلة نسبيّا. وعلى النقيض من ذلك، قد تخسر الصين الكثير إذا اِدّعتْ الولايات المتحدة أنّ رسوم الكربون تخالف اللوائح التجارية وانتقمت بفرض رسوم انتقامية على البضائع الواردة من الصين، مما قد يؤدي إلى اندلاع حرب تجارية.
يقول سام لووي Sam Lowe من منظمة “أصدقاء الأرض” Friends of the Earth البيئية إنه لا توجد رسوم عادلة من حيث المبدأ. وإذا تم إعداد رسوم الكربون لتكون عادلة فينبغي إجازتها بمقتضى قوانين منظمة التجارة العالمية World Trade Organization، لكن ليس بوسع أحد الجزم بذلك. ويضيف لووي قائلا: ‘‘تطرّقتْ الكثير من المقالات لهذه القضية، ولن نعرف الجواب إلا إذا طُبِّقت.’’
يرى العديد من الاقتصاديين أنّ خطر اندلاع الحروب التجارية يعدّ أقوى الحجج المناوئة لرسوم الكربون. ومع ذلك، يتعين على زعماء العالم التفكير مليّاً في هذا الخطر مقابل التكاليف المتزايدة للتغيّر المناخي. وهناك فرصة سانحة لدى البلدان المصمِّمة على معالجة التغيّر المناخي لتجاوز ضعف اتفاق باريس والتعاضد لفرض سعر عالميّ للكربون.
تجدر الإشارة إلى أنّ ترامب ربما يسعى إلى التخفيف من وطأة القرار. فعلى الرغم من أنه يهدّد بفرض رسوم كبيرة على البضائع الواردة من الصين بهدف دعم الصناعات الأمريكية، فإنّ هذا التصرّف سيفضي إلى نشوب حرب تجارية. ولو حصل ذلك، فسيصبح فرض رسوم الكربون على البضائع الأمريكية أحد طرق ردّ الصين والبلدان الأخرى مع الاحتفاظ بالتفوق المعنوي. وبهذا نشهد أوقاتاً حافلة بالتطورات.

طريقة تحديد سعر الكربون
إذا تعمَّد أحدهم تخريب بيتك، فسينتابك الغضب لو فرَّ من العقاب. وتتلخص فكرة سعر الكربون في جعل المُلَوِّثين يدفعون مقابل الضرر الذي ألحقته انبعاثاتهم بمنازل الناس وأرزاقهم نتيجة الفيضانات والعواصف وارتفاع منسوب البحر المرتبطة بتغيّر المناخ.
وتتمثل إحدى المقاربات بفرض ضريبة على البضائع والخدمات على أساس كمية انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون – أو ضريبة الكربون Carbon tax. في حين تتلخص المقاربة الأخرى بفرض حدٍّ لكمية غاز ثاني أكسيد الكربون المحتمل أن تصدرها الصناعات الكبيرة ثمّ بيع تصاريح التلويث- وهو نظام السقف-و-المقايض، نظام الالتزام والاتجار، أو الاتجار بالكربون.
خلاصة القول: إننا نعرف مسبقاً أنّ سعر الكربون الباهظ يَحُول دون استخدام الوقود الأحفوري، ويعزز فعالية استعمال الطاقة ويزيد من تنافسية عناصر الطاقة المتجددة. وينبغي فقط الإسراع في رفع سعر الكربون لإثبات فعالية هذه المقاربة.
نشرت المقالة في مجلة نيوساينتيست،
العدد 3120، 8 أبريل 2017.

بقلم: مايكل لو بيج
ترجمة: حازم محمود فرج

يمنح تراجُعُ دونالد ترامب عن سياسة المناخ فرصة أخرى لباقي دول العالم للقيام بما لم ليس في الحسبان: فرض سعر على الكربون. فهل ننتهز هذه الفرصة؟

‘‘ربما أثار ترامب حفيظة العالم، بحيث جعل غير المجدي سياسياً مُجدِيا’’

إن التغيّر المناخي هو مشكلة ركوب مجاني دولي- يمكن لتسعير الكربون إيجاد حلّ لها