السيد عنصر 118؛ الشخص الوحيد على قيد الحياة من الجدول الدوري

• أنت الشخص الوحيد الذي لا يزال على قيد الحياة ممن أطلق اسمهم على أحد العناصر. كيف تشعر وقد انضممت إلى أمثال آلبرت آينشتاين Albert Einstein وماري كوري Marie Curie؟
– بالنسبة إلي إنه لشرف، فالعنصر 118 اكتشف من قبل علماء في المعهد المشترك للأبحاث النووية في روسيا Joint Institute for Nuclear Research ومختبر لورانس ليفرمور الوطني في الولايات المتحدة Lawrence Livermore National Laboratory، واقترح أحد زملائي الاسم أوغانيسون Oganesson. ويعيش أطفالي وأحفادي في الولايات المتحدة منذ عقود، وقد كتبت لي ابنتي يومها أنها لم تستطع النوم بسبب البكاء مما سمعته. أما أحفادي فقد تفاعلوا مع الخبر بهدوء كحال باقي الأطفال.

• ما هو عدد العناصر التي ساعدت على اكتشافها منذ بداية عملك عليها في عام 1956؟
لقد قطعنا شوطاً طويلاً. فعندما بدأت كان عدد العناصر 101 عنصرا. واليوم أصبح عدد العناصر 118، وأكملنا بذلك الصف السابع من الجدول الدوري. ومنذ أن انضممت إلى مختبر فليروف Flerov laboratory وأنا أعمل على تصنيع العناصر، ولذلك أسهمت بشكل كبير في اكتشاف العديد منها. وقد كانت علاقتنا مع الباحثين من الولايات المتحدة قوية حتى خلال الحرب الباردة.

• كيف تصنع هذه العناصر الثقيلة جداً؟
– بصعوبة كبيرة جداً. إذ إننا بحاجة إلى “رقم سحري” Magic number من البروتونات Protons والنيترونات Neutrons حتى توازن النواةُ قوى التجاذب Attractive والتنافر Repulsive، ومن ثم نوجد الذرة Atom. إننا نولِّد عناصر جديدة بتعجيل Accelerating الذرات إلى عُشر سرعة الضوء ومن ثم نقوم بتحطيمها في أهداف تتألف من عناصر أثقل. وعندما يحدث التصادم فهناك فرصة لاتحادها وتكوين نواة Nucleus ثقيلة جداً، وعندها يبدأ التحدي في عملية تبريد هذا العنصر وتوجيهه إلى داخل الكشّاف Detector.
• ماهي التحديات الأخرى التي تواجهكم؟
مع ازدياد حجم الذرة، فإنها تحتاج إلى كمية أكبر من البروتونات والنيترونات لصنع عنصر ثقيل جداً، كما أن الذرة التي تحطمها بمصادمتها ببعضها البعض تحتاج الى نيترونات أكثر. وتكمن المشكلة بالنسبة إلينا في الحصول على مواد أولية Raw materials، إذ إننا نستخدم الكالسيوم -46 وهو نادر جداً وغالٍ جداً. وتصل تكلفة الغرام الواحد منه إلى أكثر من 200 ألف دولار أمريكي. كما أن تصنيع المواد المستهدفة Target material بطيء أيضاً، إذ صنع زملاؤنا في الولايات المتحدة 22 ملغم فقط من المادة المستهدفة بيركيليوم Berkelium -العنصر رقم 97 في الجدول الدوري- بعد سنة كاملة من قصف النيترونات Neutron bombardmen في المفاعل النووي Nuclear reactor.

• كم من الوقت تستمر هذه العناصر الثقيلة بالبقاء؟
أطول مدة كانت للنظير المُصنع للعنصر 112 فإن عمر النصف Half-life كانت 29 ثانية، أما العنصر 114 فإن عمر النصف له 2.6 ثانية، والعنصر 116 يستغرق تقريباً 60 ملليثانية Millisecond. أما العنصر 118 فيبقى تقريباً لمدة 0.9 ملي ثانية، ثم يتزايد عدم استقرارها. وكلما زادت هذه العناصر الثقيلة في الحجم صار تصنيعها أصعب.أما بالنسبة إلى العنصر 118، فإننا نولِّد ما يقارب من الذرة الواحدة فقط كل شهر.
• إلى أين سيستمر الجدول الدوري؟
لابد وإن هناك حدّا لذلك، وأعتقد أنه سينتج من الآثار النسبية Relativistic effects. فعندما تزداد الشحنة الموجبة للنواة، فإن سرعة الإلكترونات تزداد كذلك مما يجعل سرعتها مقاربة لسرعة الضوء تقريباً. ونحن قريبون فعلاً من ذلك. فعلى سبيل المثال، تقدر سرعة إلكترونات المستويات الداخلية للعنصر 112 بمقدار سبعة-أعشار سرعة الضوء، ولذلك سيؤدي اقتراب سرعة إلكترونات المستوى الخارجي من سرعة الضوء إلى تغير الخواص الكيميائية للذرة، مما يُخلُّ بدورية الخواص في الجدول الدوري.

• نظرياً، يعتبر عنصر الأوغانيسون من الغازات النبيلة Noble gases، فهل تعتقد أنه سيسلك سلوكها؟
– ستكون هذه هي أول مهمة لنا عندما ندرس الخواص الكيميائية للعنصر 118 بشكل جدي. ولكن من غير المحتمل أن يكون هذا العنصر من الغازات النبيلة، وهذا يعني نهاية التدرج في الخواص الدورية في الجدول الدوري. إن التحدي القادم بالنسبة إلينا الآن أن نفهم كيف نتحكم في العنصر 118 الذي يبقى لزمن أقل من 1 ملي ثانية فقط.
نريد أن نكتشف الخواص الكيميائية لأحدث العناصر الثقيلة جدا، وبالتحديد صفاتها الدورية في الجدول الدوري. وحتى نقوم بذلك لابد وأن نصنع المزيد منها. ولذلك فقد شاركنا في اقتراح مشترك لإنشاء مرفق جديد، نُطلق عليه اسم مصنع العناصر الثقيلة Superheavy Element Factory. كما أن زملاءنا في الولايات المتحدة سيطورون مفاعلاتهم النووية لإنتاج المزيد من المواد المُستَهدَفة، أما هنا في دوبنا Dubna فسنبني أجهزة تعجيل وأجهزة تجريبية جديدة. ونحن نتطلع إلى أن نحصل على أول شعاع Beam من هذا المُعجِّل الجديد مع نهاية هذا العام حتى نزيد نسبة الإنتاج بعامل قدره 100 ضعف. وقد تكون هذه الخطوات مفتاح تصنيع عناصر تتجاوز العنصر 118 لأول مرة.

• ما أهمية هذه العناصر الثقيلة؟
– بالنسبة إلي، يتعلق الموضوع بحلّ بعض الأسئلة الجوهرية في الفيزياء الذرية، وكذلك لها دور في الفيزياء الفلكية. فانظر إلى نجم نيتروني قد يبعد 20 كم عن الشمس، ولكن كتلته لا تزال مساوية لكتلة الشمس. إنهما مصنوعان من مادة نيترونية كثيفة جدا: وإذا أحدثت قطعا لمسافة كيلومترين في أحدهما، فستجد مادة لها كثافة النواة الذرية نفسها. فكأنه حساء من النيترونات، والقليل من البروتونات والأنوية الغنية بالنيوترونات.

• وما الذي تتطلع إليه الآن؟
النظر بقرب إلى الجزء العلوي من “جزيرة الاستقرار” Island of stability. وكان المنظرون Theorists يتوقعون أن هناك ذرات ثقيلة جداً ومستقرة جدا تتألف من تركيبة معينة من البروتونات والنيترونات. فلدينا “قارة” Continent من العناصر المستقرة تنتهي بعنصر الرصاص Lead -العنصر 82 في الجدول الدوري. وكلما ذهبنا إلى ما هو أبعد من عنصر الرصاص نجد “شبه جزيرة” Peninsula تتألف من أمثال عنصر اليورانيوم Uranium وعنصر الثوريوم Thorium المشعّين Radioactive، واللذين يضمحلان مع مرور الزمن إلى عناصر أخف. وأنوية العناصر الثقيلة جدا مشحونة بشحنة كبيرة جداً. فيمنع التنافر بين البروتونات الموجبة تكوّن أو تشكل نواة كبيرة. وهذا هو السبب في أننا نخوض في المياه العميقة لـ “بحر عدم الاستقرار” sea of instability، حيث تتحلّل العناصر بسرعة متزايدة. لذا يبدو أنه نهاية عالم المادة، لكنني لا أعتقد بصحة ذلك.

• إن جزيرة الاستقرار فكرة مثيرة للجدل، هل تعتقد بوجودها؟
– إذا لم تكن موجودة، فما كنا لنخلِّق عناصر أثقل من العنصر 112. فعمرها النصف متدنٍ جداً، ولكن إذا أُضيفت نيترونات إلى نواة هذه الذرات فإن عمرها النصف سيزداد. و إضافة 8 نيترونات إلى أثقل نظائر معروفة من العناصر 110 و111و112 بل وحتى 113 زاد من عمرها النصف بمقدار 100 ألف ضعف. وهذا يعني أننا نوغل في اليابسة على جزيرة الاستقرار، وأشعر بأننا الآن على أرض صلبة، على الرغم من أننا لا نزال بعيدين عن قمة الجزيرة حيث قد تعيش الذرات إلى ملايين السنين. وحتى نصل إلى ذلك، فإننا نحتاج إلى أجهزة جديدة تساعدنا على تحقيق ذلك.
بروفايل
يوري أوغانيسيان Yuri Oganessian يقود مختبر فليروف للتفاعلات النووية في المعهد المشترك للأبحاث النووية بروسيا.
نشرت المقالة في مجلة نيوساينتيست،
العدد 1321، 15 أبريل 2017.

“يبدو أنه نهاية عالم المادة،
لكنني لا أعتقد بصحة ذلك”